الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

132

نفحات القرآن

المعاد الذي هو عبارة عن خروج الحياة من باطن الموت امرٌ مستمر ويتكرر وقوعُه أمام أعيننا دائماً ولو على مستوىً محدود ، فما المانع من أن تموت جميع الموجودات الحيّة مرّةً واحدة ويُعاد البشر إلى حياة جديدة في يوم الحشر ؟ أيْ أنْ يتحقّقَ قانونُ تبديل الموت بالحياة والحياة بالموت بصورة أوسع وأشمل ممّا عليه حالياً . وأمّا بالنسبة لعروض الموت على الحياة فإنّه أمرٌ بديهي وواضح لدى الجميع ، ولكن بما أنّ عروض الحياة بعد الموت يخفى على البعض ويحتاج إلى شيء من التأمل فقد قال تعالى في ذيل الآية : « وَيُحْىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَا وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ » . وجملة « كذلك تُخرجون » تشير بوضوح إلى هذه الحقيقة وهي أنّه لا يوجد هناك ايّ تفاوت بين القيامة الصغيرة التي تحدث في عالم النباتات والأرض الميتة وبين تلك القيامة الكبرى الشاملة . وبمجرّد أن يتأمل الإنسان قليلًا في هذا الموضوع فإنّه سوف تزول عنه كل ظنونه الخاطئة والوساوس الشيطانية التي تنتابه في أمر المعاد . إنّ في كل لحظة تمرُّ على هذا العالم الوسيع تنفلق فيها الآلافُ المؤلفة من البذور وتخرج منها براعم جديدة للحياة ، وفي كل لحظة تبدأ أرض واسعةٌ بالحياة بعد أن كانت ميتة ، إنّها سُنّة اللَّه السرمدية والتي تُوحي بها الآية الثالثة وبعد بيان كيفية تكوّن الأمطار بعد تسيير الرياح وتراكم الغمام على بعضها ، قال تعالى : « فَانْظُرْ الَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحىِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوتِهَا » ، « إِنَّ ذَلِكَ لُمحىِ الْمَوتَى » ، نعم إنّه : « عَلَى كُلِّ شَىءٍ قَدِيرٌ » . و « آثار » : جمع « أَثَر » ، قال في « مقاييس اللغة » : إن الأَثَرَ له ثلاثةُ معانٍ ، الشئ الذي له سابق ، والذكر الباقي بعد الموت ، وما بقي من رسم الشئ ، لكن بعض علماء اللغة حَصَروا معنى الأثر في المعنى الثالث ، وذلك لأنّ المعنيين الأولين ناتجان عن الآثار الباقية من أجل الفضيلة وعوامل علوّ الشأن .